
في قلب الصراع بين أكبر قوتين عظميين في زمانها، الفرس والروم، وفي خضم استهزاء مشركي مكة بالمسلمين، تنزل آيات تتحدث عن هذا الصراع العالمي وتطلق نبوءة تاريخية جريئة وعجيبة. إنها * سورة الروم *. هذه السورة المكية ليست مجرد سجل لنبوءة تحققت، بل هي بوابة نلج منها من عالم السياسة وتقلبات الدول إلى عالم الآيات الكونية والنفسية العظمى، لنرى يد الله وقدرته تعمل في التاريخ وفي أنفسنا وفي الآفاق.
﴿ الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ.. .﴾
بدأت السورة بحدث كان حديث العالم آنذاك: هزيمة الروم (أهل كتاب) على يد الفرس (عباد النار). فرح مشركو مكة بذلك وشمتوا بالمسلمين. فنزلت الآيات لتقلب الموازين وتعلن بثقة مطلقة أن الروم سيعودون للانتصار في "بضع سنين" (3-9 سنوات). لم تكن هذه مجرد أمنية، بل كانت نبوءة محددة بزمن، وفيها تحدٍ كبير.
وبالفعل، بعد سنوات قليلة، انتصر الروم على الفرس، وفي نفس وقت انتصارهم، كان المسلمون ينتصرون في غزوة بدر. فتحققت النبوءة بحذافيرها: انتصر الروم، وفرح المؤمنون بنصر الله. فكانت هذه الآية دليلاً مادياً ملموساً على أن القرآن وحي من الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض.
بعد أن أقامت الحجة بالدليل التاريخي، تأخذنا السورة في جولة رائعة لنتفكر في آيات الله المبثوثة في كل مكان، والتي هي أعظم وأبقى من انتصار دولة على أخرى:
بعد كل هذه الآيات، تصل السورة إلى غايتها: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾. توجه بكليتك نحو الدين الحق مائلاً عن كل باطل. ثم تكشف عن سر هذا الدين:
دين الإسلام ليس شيئاً غريباً عن النفس البشرية، بل هو متوافق مع "الفطرة"، أي الطبيعة الأصلية التي خلق الله الناس عليها، وهي الإقرار بوجود الخالق وتوحيده. هذه الفطرة هي "إعداد المصنع" الأصلي للإنسان، لا يمكن تغييرها من جذورها، وإنما قد تغطيها غبار الشرك والبيئة الفاسدة، فيأتي الدين ليزيل هذا الغبار ويعيد النفس إلى أصلها النقي.
بدأت السورة بخبر هزيمة الروم (الإمبراطورية البيزنطية) أمام الفرس في 'أدنى الأرض'. ثم أتبعتها بنبوءة مذهلة وهي أن الروم سيعودون للانتصار في 'بضع سنين' (من ثلاث إلى تسع سنوات)، وأن المؤمنين سيفرحون في ذلك اليوم بنصر الله. وقد تحققت هذه النبوءة بكل تفاصيلها في حياة النبي ﷺ ، فكانت دليلاً قاطعاً على أن القرآن وحي من الله.
السورة مليئة بالآيات الكونية والنفسية، ومن أبرزها: خلق الإنسان من تراب، وخلق الأزواج لنا لنسكن إليها وجعل بيننا مودة ورحمة، واختلاف ألسنتنا وألواننا، ونومنا بالليل وسعينا بالنهار، والبرق والمطر وإحياء الأرض بعد موتها. كل هذه آيات تدل على قدرة الله ووحدانيته.
'الفطرة' هي الطبيعة الأصلية النقية التي خلق الله الناس عليها، وهي التوجه الفطري لعبادة الله وحده (التوحيد) وقبول الحق. والآية ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ تؤكد أن هذا هو 'نظام التشغيل' الأصلي للإنسان، وأن أي شرك أو إلحاد هو فيروس خارجي يطرأ على هذه الفطرة السليمة.