
في واحدة من أكثر سور القرآن إثارة للرهبة، تأخذنا سورة التكوير في رحلة خاطفة ومكثفة إلى المشهد الأخير، مشهد نهاية العالم بكل ما فيه من انقلاب كوني مذهل. إنها سورة "الصور السينمائية" السريعة والمتلاحقة، حيث يعرض الله علينا اثنتي عشرة علامة من علامات ذلك اليوم، كل علامة منها كفيلة بأن تخلع القلوب. ثم، بعد هذا العرض المروع، تنتقل السورة لتقدم لنا برهاناً ساطعاً على صدق هذا الخبر الذي يهتز له الكون.
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ...﴾
تبدأ السورة بسلسلة من الأحداث الكونية والأرضية التي ستحدث يوم القيامة، وكلها تبدأ بكلمة "إذا" الشرطية، ليأتي جواب الشرط في النهاية.
بعد هذه الأحداث الستة، تنتقل السورة إلى ستة أحداث أخرى تتعلق بالبشر والحساب:
عندما تحدث كل هذه الأهوال، يأتي الجواب: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾. في تلك اللحظة، ستعلم كل نفس يقيناً ما قدمته من خير أو شر.
بعد أن بينت السورة ماذا سيحدث، تنتقل لتبين لنا لماذا يجب أن نصدق هذا الخبر. فتقسم قسماً عظيماً على صدق القرآن والرسالة:
يقسم الله بالخنس (الكواكب التي تختفي)، والليل، والصبح، على أن هذا القرآن هو ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، وهو جبريل عليه السلام. ثم يصف جبريل بصفات تضمن أمانة النقل: فهو ذو قوة، وذو مكانة عند الله، ومطاع في السماء، وأمين على الوحي.
ثم تدافع الآيات عن النبي محمد ﷺ: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾. فهو ليس كما يدعي المشركون، بل لقد رأى جبريل رؤية حقيقية، وهو ليس بخيلاً على الناس بهذا الوحي، وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم.
تختتم السورة بتحديد الغاية من هذا القرآن: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾. إنه تذكرة للعالمين أجمعين، ولكن لا ينتفع بها إلا من أراد الهداية والاستقامة.
تذكر السورة 12 علامة مروعة، منها ما هو كوني مثل تكوير الشمس (ذهاب ضوئها)، وانكدار النجوم (تساقطها)، وتسيير الجبال، وتسجير البحار (اشتعالها ناراً). ومنها ما هو أرضي مثل ترك الإبل الحوامل، وحشر الوحوش، وسؤال الطفلة الموءودة.
بعد أن وصفت السورة أهوال يوم القيامة، انتقلت لتقدم الدليل على أن هذا الخبر حق. فالجزء الثاني هو قسم إلهي عظيم بالنجوم والليل والصبح، ليؤكد على أن هذا القرآن ليس كلام بشر، بل هو قول رسول كريم (جبريل عليه السلام) نقله بأمانة تامة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن هذا النبي ليس بمجنون، بل هو رسول صادق.
'الموءودة' هي الطفلة الأنثى التي كانت تُدفن حية في الجاهلية خوفاً من العار أو الفقر. وفي يوم القيامة، تُسأل هذه الطفلة البريئة 'بأي ذنب قتلت؟'. وسؤالها هي بالذات هو لتوبيخ قاتلها وإظهار بشاعة جريمته، حيث إن الضحية نفسها لا تعرف لماذا قُتلت، مما يجعل الجريمة أشد نكراً.
إن سورة التكوير تقدم لنا حجة متكاملة. تعرض لنا أولاً الحقيقة المروعة التي تنتظرنا، ثم تقدم لنا الدليل القاطع على صدق هذا الخبر. إنها تضعنا أمام مسؤوليتنا الكاملة، فالذكرى قد جاءت، والخبر قد بلغ، وما علينا إلا أن نختار طريق الاستقامة قبل أن تُكوّر الشمس وتنكدر النجوم.