
في مرحلة المواجهة الحاسمة بين الحق والباطل، تأتي سورة محمد ، المعروفة أيضاً بـ سورة القتال، لترسم للمؤمنين خارطة طريق واضحة للعزة والثبات والنصر. إنها سورة تبدأ بفرقان حاسم: فريق أضل الله أعمالهم، وفريق كفر الله عنهم سيئاتهم. وهي سورة تكشف نفسيات المنافقين المرتجفة في مواطن الشدة، وتبشر المؤمنين الصادقين بجنات تجري فيها أنهار من ماء ولبن وخمر وعسل، وتختتم بدعوة قوية للثقة بالله والإنفاق في سبيله.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ ... ﴿ مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى.. .﴾
تبدأ السورة بداية قاطعة، فتضع معسكرين متقابلين: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾، أي أبطلها وجعلها هباءً. وفي المقابل: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾. فمنذ البداية، السورة تحدد المصيرين: مصير إلى ضلال وضياع، ومصير إلى مغفرة وصلاح حال.
تضع السورة للمؤمنين قانون النصر الذي لا يتخلف. إنه ليس مرتبطاً بالعدة أو العدد فقط، بل بشرط إلهي واضح:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾
"نصرة الله" تكون بنصرة دينه، وإعلاء كلمته، والعمل بشريعته. فإذا حقق المؤمنون هذا الشرط، جاء الرد الإلهي المزدوج: "ينصركم" على أعدائكم، و "يثبت أقدامكم" في المعركة وفي الحياة، فلا تتزلزل قلوبكم ولا تهتز ثقتكم.
تفضح السورة ببراعة حال المنافقين عند نزول الأمر بالقتال. فهم في الظاهر يظهرون الطاعة، لكن قلوبهم كارهة. وتصف نظراتهم المرتعبة إلى النبي ﷺ عند ذكر القتال: ﴿ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ﴾. إنها نظرة من احتضر ورأى ملك الموت. وهذا يكشف عن جبنهم الشديد، وحبهم للدنيا، وعدم صدق إيمانهم.
في مقابل هذا الخوف والجزع، تعرض السورة "المثل" الأعلى الذي يقاتل من أجله المؤمنون، وهو الجنة. وتقدم لها وصفاً حسياً بديعاً لم يرد في أي سورة أخرى بهذه الطريقة:
هذا النعيم الحسي هو جزء من جزاء المتقين الذين باعوا دنياهم من أجل آخرتهم.
تختتم السورة بتوجيه استراتيجي للمؤمنين: ﴿ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ ﴾. لا تضعفوا ولا تستسلموا وتطلبوا السلام من الأعداء من موقع الذل، فأنتم الأعلون بإيمانكم وعقيدتكم، والله معكم بنصره وتأييده. ثم تحذر السورة من البخل عند طلب الإنفاق، وتذكر بأن الله غني عن العالمين، وأن من يبخل فإنما يبخل على نفسه: ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمثَالَكُم ﴾.
سميت بذلك لأنها من أبرز السور التي تناولت أحكام القتال في سبيل الله، ووضعت قواعد المواجهة مع الكفار، وفضحت مواقف المنافقين من القتال، وحثت المؤمنين على الثبات وعدم الوهن، وربطت النصر بنصرة دين الله. فهي ترسم المنهج الكامل للمواجهة بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر.
هذا قانون إلهي ووعد رباني. ومعنى 'نصرة الله' هو نصرة دينه وشريعته ورسوله بالقول والعمل والدعوة والجهاد. فمن يقوم بذلك، فإن الله يتكفل بنصره على أعدائه وتثبيت أقدامه في المعركة وفي الحياة، فالجزاء من جنس العمل.
تصف السورة مثلاً رائعاً للجنة التي وعد بها المتقون، وفيها أربعة أنواع من الأنهار لم تعرفها الدنيا: 1. أنهار من ماء غير آسن (لا يتغير طعمه أو رائحته). 2. أنهار من لبن لم يتغير طعمه. 3. أنهار من خمر لذة للشاربين (لا يسكر ولا يسبب صداعاً). 4. أنهار من عسل مصفى (نقي من كل شائبة).