
هناك سور في القرآن لها مكانة خاصة، تتكرر على مسامعنا في مناسبات عظيمة لتجدد إيماننا وتوقظ قلوبنا. سورة ق هي إحدى هذه السور. إنها السورة التي اختارها النبي صلى الله عليه وسلم لتكون جزءاً من خطبته في أعظم أيام الأسبوع، يوم الجمعة. إنها سورة تبدأ بقسم بالقرآن، ومحورها الأساسي هو إثبات حقيقة البعث، وتمر بنا عبر مشاهد الخلق ، وآثار الهالكين، ورقابة الملائكة، وسكرة الموت، والحوار مع جهنم، ونعيم المتقين.
﴿ ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾
تبدأ السورة بحرف "ق" وبالقسم بالقرآن ذي المجد والشرف. هذا القسم العظيم هو لتأكيد أن ما سيأتي بعده هو الحق. ثم تكشف السورة عن سبب كفر الكافرين: استغرابهم من أن يأتيهم رسول منهم، وإنكارهم الشديد للبعث بعد الموت، واصفين إياه بأنه "رجع بعيد" أي عودة مستحيلة.
يرد القرآن على إنكارهم بدعوتهم للنظر في الخلق الذي هو أعظم من إعادتهم:
تنتقل السورة من الآيات الكونية إلى الآيات النفسية التي تحيط بكل إنسان:
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾
إنه إعلان عن علم الله المطلق والمحيط بكل خواطر النفس. ثم تذكير بالرقابة الملائكية الدقيقة: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾. وبعد هذه الرقابة، تأتي لحظة الحقيقة التي كان يهرب منها الإنسان: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾.
بعد الموت، تعرض السورة مشاهد سريعة وقوية من "يوم الوعيد":
يُنفخ في الصور، ويأتي كل إنسان ومعه سائق يسوقه إلى المحشر ، وشهيد يشهد عليه. ويقال له لقد كنت في غفلة عن هذا اليوم. ثم يُلقى كل كفار عنيد في جهنم التي تسأل بشراهة: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾؟ فترد: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾؟
في مقابل هذا المشهد المرعب، يأتي مشهد النعيم: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾. تُقرّب الجنة للمتقين ويقال لهم: هذا ما كنتم توعدون به، لكل "أواب" (كثير الرجوع إلى الله) "حفيظ" (حافظ لحدود الله). ويأتيهم التكريم الأعظم: ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ﴾.
لأن سورة 'ق' سورة جامعة وشاملة، تركز بشكل أساسي على تذكير الناس بأصول الإيمان الكبرى: الإيمان بالقرآن، وحقيقة الموت، والبعث بعد الموت، والحساب، والجنة والنار. فكانت بمثابة جرعة إيمانية مركزة أسبوعية لإيقاظ القلوب من غفلتها وتذكيرها بمصيرها الحتمي.
'سكرة الموت' هي الشدة والغمرة التي تغشى الإنسان عند خروج الروح، فتذهب بعقله من شدتها. ووصفتها السورة بأنها تأتي 'بالحق' ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾، أي أنها تكشف للإنسان حقيقة الآخرة التي كان غافلاً عنها أو منكراً لها، فيراها رأي العين. وهي الحقيقة التي كان يهرب منها الإنسان ﴿ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾.
تصف السورة مشهداً حوارياً مرعباً، حيث يقول الله لجهنم يوم القيامة: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾؟ فترد جهنم بشراهة لا تنتهي: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾؟ وهذا يدل على سعتها العظيمة، وشدة غضبها، وطلبها للمزيد من أهل الكفر والعصيان.