
تنقلنا سورة التحريم، وهي سورة مدنية، إلى قلب بيت النبوة الطاهر، لتقدم للأمة الإسلامية دروساً خالدة في العلاقة الزوجية، وحفظ الأسرار، وأهمية التوبة، وحدود طاعة المخلوق في مقابل حق الخالق. تبدأ السورة بحادثة خاصة جداً، لكنها سرعان ما تتوسع لترسي قواعد عامة في حماية الأسرة من النار، وتختتم بضرب أمثلة نسائية خالدة، لتوضح أن الإيمان والكفر قرار شخصي لا تحكمه القرابة أو البيئة.
قلب السورة ومفتاح فهمها يكمن في سبب نزولها، الذي ورد في أصح الروايات في صحيح البخاري. وخلاصته أن النبي ﷺ كان يشرب عسلاً عند إحدى زوجاته (زينب بنت جحش)، فأطال عندها. فاجتمعت السيدة عائشة والسيدة حفصة رضي الله عنهما، واتفقتا بدافع الغيرة أن تقولا له إذا دخل عليهما: "إني أجد منك ريح مغافير" (والمغافير صمغ كريه الرائحة). فلما قيل له ذلك، ولما كان ﷺ يكره أن توجد منه رائحة غير طيبة، حرّم على نفسه شرب العسل. فأنزل الله عتاباً لطيفاً لنبيه الكريم:
"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (1)
هذا العتاب ليس لوماً، بل هو إرشاد ومحبة، وفيه درس عظيم: لا ينبغي لأحد، حتى النبي، أن يحرّم ما أحل الله إرضاءً لأي شخص، فمرضاة الله فوق كل اعتبار.
تنتقل السورة بأسلوب تربوي فريد من معالجة الحادثة الخاصة إلى استخلاص قواعد عامة للأمة كلها.
بعد العتاب اللطيف للنبي، يتوجه الخطاب مباشرة إلى الزوجتين المعنيتين، ويدعوهما إلى التوبة:
"إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ" (4)
الآية تكشف أن قلوبهما قد مالت عن الحق في هذه المسألة، وتذكرهما بأن النبي ليس وحده، فالله وجبريل وصالحو المؤمنين والملائكة جميعاً هم ناصروه. ثم يأتي تحذير حاسم بأنه إن استمر هذا السلوك، فإن الله قادر على أن يبدله بنساء خير منهن، مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات، ثيبات وأبكاراً.
هنا يتسع الخطاب من بيت النبوة ليشمل كل مؤمن. إنها آية المسؤولية العظمى:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ..." (6)
هذا أمر صريح لكل صاحب أسرة بأن يحمي نفسه وأهله (زوجته وأولاده) من النار. وهذه الوقاية لا تكون إلا بالعلم النافع والتربية الصالحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إنها تذكرة بأن مسؤوليتنا لا تقتصر على توفير الطعام والشراب، بل تمتد لتشمل حماية أرواحهم من الهلاك في الآخرة.
بعد التحذير من النار، يفتح الله باب الأمل على مصراعيه، داعياً المؤمنين إلى التوبة الصادقة الخالصة:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا..." (8)
التوبة النصوح هي التي لا عودة بعدها إلى الذنب، وهي القائمة على الندم الصادق، والإقلاع عن المعصية، والعزم على عدم الرجوع إليها. وجزاء هذه التوبة هو تكفير السيئات، ودخول الجنات التي تجري من تحتها الأنهار.
تختتم السورة بضرب أربعة أمثلة لنساء، نموذجين للكفر ونموذجين للإيمان، لترسيخ قاعدة أن الهداية والضلال مسؤولية شخصية:
سورة التحريم هي دستور متكامل للعلاقة بين أفراد الأسرة، وبين العبد وربه. تعلمنا أن نلتزم بحدود الله فلا نحرم ما أحل، وأن نحفظ أسرار بيوتنا، وأن باب التوبة مفتوح دائماً. والأهم من ذلك كله، تذكرنا بأننا سنحاسب فرداً فرداً، وأن قرابتنا من الصالحين أو بيئتنا الفاسدة لن تكون حجة لنا يوم القيامة. إنها دعوة لكل منا ليحمي نفسه وأهله من النار، وأن يختار قدوته من نماذج الإيمان الخالدة التي ذكرها القرآن.