
لماذا يتأثر بعض الناس بالقرآن حتى تهتز كياناتهم، بينما يسمعه آخرون فلا يزيدهم إلا إعراضاً؟ في آيات من أروع ما يكون في * سورة الزمر *، يقدم لنا القرآن الكريم تشخيصاً دقيقاً لحال القلوب، ويضع لنا خطاً فاصلاً بين القلب الحي المفتوح لنور الله، والقلب الميت القاسي. ثم يصف القرآن نفسه، ويصف التفاعل الجسدي والروحي الذي يحدثه في قلوب الذين يخشون ربهم.
﴿ أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ... ﴾
تبدأ الآيات بمقارنة حاسمة بين نوعين من القلوب:
﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾. هذا هو القلب الذي هيأه الله ووسعه لقبول الحق، فصار صاحبه يسير في حياته على نور وبصيرة وهدى.
﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وفي المقابل، الويل والهلاك لمن قست قلوبهم وأصبحت كالحجارة أو أشد، فلا تتأثر بذكر الله ولا تلين لمواعظه. وهؤلاء ﴿فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾.
بعد المقارنة بين القلوب، تأتي الآية لتصف الدواء والعلاج، وهو القرآن، وتصفه بثلاث صفات رائعة:
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ...﴾
هذا الكتاب العظيم، كيف يتفاعل معه القلب الحي؟ تصف الآية هذا التفاعل الجسدي والنفسي وصفاً بديعاً على مرحلتين:
﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: عند سماع آيات الوعيد والعذاب وذكر عظمة الله، فإن جلود الذين يخشونه حقاً تقشعر وتضطرب من شدة الهيبة والخوف.
﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: بعد موجة الخوف، عندما تُتلى آيات الرحمة والوعد والنعيم، تهدأ النفوس وتطمئن، وتلين الجلود والقلوب وتأنس بذكر الله. إنه التوازن المثالي بين الخوف والرجاء الذي يصنعه القرآن في نفس المؤمن.
تختتم الآيات ببيان أن هذا التأثر والتفاعل الحي مع القرآن هو علامة الهداية الإلهية: ﴿ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ﴾. فمن وجد في قلبه هذا التفاعل، فليحمد الله على نعمة الهداية. ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، فمن اختار الإعراض وقسا قلبه، فقد حرم نفسه من هذا النور ولا هادي له.
القلب الذي شرحه الله للإسلام هو قلب منفتح، مستعد لقبول الحق، يسير على نور وبصيرة من الله. أما القلب القاسي، فهو القلب المغلق والمظلم الذي يرفض ذكر الله ومواعظه، حتى يصبح أشد قسوة من الحجارة، وأصحابه في ضلال واضح.
'متشابهاً' يعني أن آياته وقصصه يشبه بعضها بعضاً في الجمال والبلاغة والصدق، ويصدق بعضها بعضاً بلا تناقض. و'مثاني' تعني أن مواضيعه وقصصه تتكرر وتُثنى في مواضع مختلفة من القرآن، وفي كل مرة يُكشف عن جانب جديد من الحكمة والعبرة، مما يرسخ المعنى في النفس.
التفاعل المثالي هو تفاعل متوازن من مرحلتين: المرحلة الأولى هي القشعريرة ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ...﴾، وتحدث عند سماع آيات الوعيد والعذاب، وهي ناتجة عن الخشية وهيبة الله. والمرحلة الثانية هي لين القلب والجلد ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ...﴾، وتحدث عند سماع آيات الرحمة والوعد، وهي ناتجة عن الرجاء والسكينة والطمأنينة بذكر الله. إنه التوازن بين الخوف والرجاء.