
في قلب سورة آل عمران، تبرز آيتان كريمتان تمثلان حجر الزاوية في بناء المجتمع المسلم واستقراره. إنهما دستور إلهي للوحدة، ونداء خالد لنبذ الفرقة، وتذكير مؤثر بنعمة من أعظم نعم الله على عباده المؤمنين: نعمة الأخوة. هاتان الآيتان ليستا مجرد وصايا أخلاقية، بل هما أمر إلهي وشرط أساسي لتحقيق التقوى الحقيقية والثبات على الإسلام حتى الممات.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا...﴾
قبل الأمر بالوحدة، تبدأ الآيات بالأساس الذي تقوم عليه هذه الوحدة: علاقة الفرد بربه. ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. إنها دعوة لأعلى درجات التقوى، وهي أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر. ثم يأتي الأمر بالثبات على هذا الدين حتى آخر نفس: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. وهذا يعني أن الوحدة الحقيقية لا يمكن أن تقوم إلا بين أفراد يجمعهم هدف واحد وهو مرضاة الله، وغاية واحدة وهي الموت على الإسلام.
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾
"الاعتصام" هو التمسك الشديد بالشيء بحيث يمنعك من السقوط. و "حبل الله" هو ذلك الرابط المتين الذي يربطنا بالله ويربطنا ببعضنا البعض. وقد فسره العلماء بأنه:
والأمر هنا "جميعاً"، أي يجب أن يكون هذا التمسك جماعياً، لا أن يعتصم كل فرد وحده، ففي الاجتماع قوة ومناعة.
بعد الأمر بالاعتصام الجماعي، يأتي النهي المباشر عن نقيضه: "ولا تفرقوا". فالتفرق والتشرذم والاختلاف المذموم هو أعظم ما يهدم قوة المسلمين. إنه تحذير من اتباع الأهواء، والتعصب للآراء، وإثارة النعرات القبلية أو العرقية أو المذهبية التي تمزق جسد الأمة وتجعلها لقمة سائغة لأعدائها.
ولكي لا يكون الأمر بالوحدة مجرد شعار نظري، يضرب القرآن مثالاً حياً من واقع المخاطبين أنفسهم: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. هذا تذكير مباشر بقصة قبيلتي الأوس والخزرج في المدينة، الذين كانت بينهم حروب طاحنة لأكثر من قرن، وأحقاد وضغائن متوارثة. فلما دخلوا في الإسلام، نزع الله ما في صدورهم من غل، وألف بين قلوبهم، فصاروا إخوة متحابين، يدافع بعضهم عن بعض، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
'حبل الله' هو عهده وميثاقه. وقد فسره العلماء بأنه القرآن الكريم، أو دين الإسلام، أو جماعة المسلمين. وكلها معانٍ متكاملة. فالاعتصام بحبل الله يعني التمسك التام بالقرآن والسنة ومنهج الإسلام، والالتزام بالجماعة وعدم الخروج عنها، فهذا هو الحبل الذي يربطنا بالله وينجينا من الهلاك.
الأوس والخزرج هما قبيلتان كبيرتان في المدينة المنورة قبل الإسلام، وكانت بينهما حروب وعداوات دامت لأكثر من مائة عام. فلما جاء الإسلام، دخلوا فيه فألف الله بين قلوبهم، وأصبحوا إخوة متحابين، يُعرفون باسم 'الأنصار'. وتذكرهم الآية بهذه النعمة العظيمة، نعمة الأخوة بعد العداوة، كدليل عملي على قوة 'حبل الله' في توحيد القلوب.
هذا أمر إلهي بالثبات على الإسلام حتى آخر لحظة في الحياة. فبما أن الإنسان لا يعرف متى يموت، فالمعنى هو: كونوا على الإسلام في كل لحظة من لحظات حياتكم، واستقيموا على التقوى، حتى إذا جاءكم الموت فجأة، وجدكم على أفضل حال وهي الإسلام.