
ما هي أعظم حقيقة في الوجود؟ وما هي أعظم شهادة عليها؟ في آية فريدة وجليلة من * سورة آل عمران *، يقدم لنا القرآن الكريم "شهادة الشهود" على الحقيقة الأزلية الكبرى. إنها ليست شهادة بشر، بل هي شهادة من الله لنفسه، وقرن بها شهادة أطهر خلقه (الملائكة) وأشرفهم (أهل العلم)، على أعظم مشهود به: التوحيد المطلق القائم على العدل التام.
﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ.. .﴾
تفتتح الآية بكلمة "شهد"، والشهادة هي الإخبار عن علم ويقين. وهذه أعظم شهادة لأنها جمعت:
شهادة الله لنفسه هي إعلانه وبيانه وحكمه القاطع بأنه لا معبود بحق سواه، وقد أقام على هذه الشهادة البراهين في خلقه ووحيه.
من عظمة هذه الحقيقة، لم يشهد بها الله وحده، بل أشرك معه في هذه الشهادة صنفين من خلقه:
وهم أطهر خلق الله، يشهدون بوحدانيته لأنهم الأقرب إليه، يرون من عظمته وجلال ملكوته ما لا نرى، وهم في طاعة دائمة له.
وهنا يكمن تكريم لا مثيل له. لقد قرن الله شهادة "أهل العلم" بشهادته وشهادة ملائكته. وفي هذا إشارة إلى أن العلم الحقيقي، المبني على الدليل والبرهان، هو الذي يوصل حتماً إلى اليقين بوحدانية الله. فشهادة العالم ليست تقليداً، بل هي شهادة عن بصيرة وتفكر في آيات الله.
لم تكتفِ الآية بإثبات الوحدانية، بل قرنتها بصفة "القسط" وهو العدل التام. ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أي أن الله متفرد بالوحدانية في حال كونه مقيماً للعدل المطلق في تدبيره وخلقه وتشريعه وجزائه.
والربط بين التوحيد والعدل هو جوهر الإسلام. فالتوحيد هو أعظم العدل، لأنه إعطاء الله حقه الخالص في العبادة. والشرك هو أعظم الظلم، لأنه صرف لهذا الحق إلى من لا يستحقه. كما أن الإله الواحد هو الضمان الوحيد للعدل المطلق، أما تعدد الآلهة فهو أساس الفساد والتنازع ﴿لَفَسَدَتَا﴾.
ثم تكرر الآية شهادة التوحيد مرة أخرى ﴿لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾، وتختمها بصفتي ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، فهو العزيز الذي لا يُغلب، الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه الصحيح.
بعد هذه الشهادة العظمى على التوحيد القائم على العدل، تأتي النتيجة المنطقية والحتمية: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. "الإسلام" بمعناه العام، وهو الاستسلام الكامل لله وحده، والانقياد له بالطاعة. فهذا هو الدين الوحيد المقبول عند الله، لأنه هو الدين الوحيد الذي يتوافق مع شهادة التوحيد، وهو الدين الذي جاء به كل الأنبياء من آدم إلى محمد عليهم السلام.
شهادة الله لنفسه هي إعلانه وبيانه وحكمه القاطع بأنه لا معبود بحق سواه. وهذه الشهادة ليست كشهادة البشر، بل هي شهادة قائمة على علمه المطلق وقدرته الكاملة، وقد أقام عليها الأدلة والبراهين في خلقه وفي كتبه. فهي إثبات للحقيقة الأزلية.
هذا من أعظم صور التكريم لأهل العلم. فالله تعالى قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته. وفي هذا دلالة على أن 'العلم' الحقيقي هو الذي يوصل صاحبه إلى اليقين بوحدانية الله وعدله. فشهادة أهل العلم مبنية على البرهان والدليل الذي استنبطوه من آيات الله الكونية والشرعية.
'القسط' هو العدل التام. ومعنى الآية أن الله متفرد بالوحدانية ومتصف بالعدل المطلق في كل أفعاله وتدبيره وتشريعه. والربط بينهما عميق، فالتوحيد هو أعظم العدل (إعطاء الله حقه)، والشرك هو أعظم الظلم (صرف حقه لغيره). كما أن الله هو الوحيد القادر على إقامة العدل الكامل بين خلقه لأنه هو الإله الواحد.