
في مستهل أطول سور القرآن، *سورة البقرة *، وبعد أن يصف الله المتقين ثم الكافرين، يتوقف طويلاً ليقدم لنا تشريحاً دقيقاً للفئة الثالثة والأكثر تعقيداً: المنافقون . ولكي يقرب لنا حقيقتهم النفسية وحالهم المضطرب، يضرب الله لهم مثلين بليغين، مثلاً نارياً ومثلاً مائياً، يكشفان عن عالمهم الداخلي المليء بالظلمات والشك والخوف.
﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ. ..﴾
تبدأ سورة البقرة بتقسيم واضح للناس: المتقون الذين يؤمنون بالغيب، والكافرون الذين يرفضون الحق. ثم تأتي آيات طويلة لتصف الفئة الثالثة: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾. ولكي نفهم حالتهم، يضرب الله لنا هذين المثلين.
هذا المثل يصف المنافق الذي اتخذ قرار النفاق عن قناعة.
تخيل شخصاً في ظلام دامس، فأوقد ناراً. هذا يمثل دخول المنافق في الإسلام بنطقه للشهادة. لقد حصل على "نور" مؤقت: أمن على دمه وماله، وعاش في كنف المجتمع المسلم، ورأى الحق واضحاً أمامه.
في اللحظة التي كان يفترض أن ينتفع فيها بالنور، يعاقبه الله على كفره الباطن بأن يسلب منه "النور" (نور الهداية والبصيرة)، ولكنه يبقي عليه "النار" (حرارة الشكوك والقلق وحرارة العذاب في الآخرة).
لقد عادوا إلى الظلام، بل إلى "ظلمات" متراكمة: ظلمة الكفر، وظلمة النفاق، وظلمة عدم القدرة على رؤية الحق. والنتيجة النهائية: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. لقد تعطلت حواسهم المعنوية عن استقبال الحق، فأصبح رجوعهم شبه مستحيل.
هذا المثل يصف نوعاً آخر من المنافقين، وهم المترددون الحائرون.
"الصيب" هو المطر الغزير، وهو يمثل الإسلام أو القرآن الذي نزل من السماء حياة للقلوب. لكن هذا المطر يحمل في طياته عناصر مختلفة:
حالهم كمن يمشي في هذه العاصفة. فهم يضعون أصابعهم في آذانهم من صوت الرعد (الوعيد)، خوفاً من أن يعملوا به فيخسروا دنياهم. إنهم يريدون الإسلام بلا تكاليف.
وهذا هو وصف دقيق لشخصيتهم الانتهازية. إذا لمع البرق (ظهرت منفعة من الإسلام كانتصار أو غنيمة)، مشوا في نوره. وإذا ذهب البرق وعادت الظلمات (جاء تكليف شاق كجهاد أو إنفاق)، توقفوا في مكانهم متحيرين.
المثل الأول يصف المنافق الذي حسم أمره واختار الكفر باطناً، فكانت عقوبته فقدان النور بالكلية. أما المثل الثاني، فيصف المنافق المتردد الذي لا يزال في حالة صراع وحيرة، يرى النور أحياناً ويفقده أحياناً، فهو يعيش في قلق وخوف دائمين. كلا الفريقين في ضلال، لكن حالهما النفسي مختلف.
المنافقون هم فئة تظهر الإسلام وتبطن الكفر. وهذه الأمثال تصف حالهم النفسي والروحي. فهم ليسوا كالكافر الصريح الذي يرفض النور تماماً، بل هم أناس رأوا نور الإسلام واقتربوا منه، لكن بسبب أمراض في قلوبهم كالشك والكبر والخوف، لم يستقر الإيمان في قلوبهم فبقوا في حيرة وظلام.
'النور' يمثل نور الإيمان والقرآن الذي دخلوه بألسنتهم، فرأوا به الحق والباطل واستفادوا من منافع الإسلام الدنيوية. لكن بسبب نفاقهم، 'ذهب الله بنورهم'، أي سلب منهم نور الهداية والبصيرة، وتركهم في 'ظلمات' الكفر والشك والحيرة، فلا يرون طريق النجاة.
'الصيب' أو المطر الغزير يمثل القرآن أو الإسلام، فهو حياة للقلوب كما أن المطر حياة للأرض. لكن هذا الإسلام يحمل 'ظلمات ورعد' وهي التكاليف والمشاق والتحذيرات والوعيد، ويحمل 'برقاً' وهو نور الحجج والبراهين والبشارات. فالمنافق المتردد يأخذ من البرق (المنافع) بقدر ما يستطيع، ولكنه يضع أصابعه في أذنيه من الرعد (التكاليف) خوفاً من الموت.