
في قلب سورة مدنية تعنى بالأحكام والآداب والحدود (سورة النور)، تتلألأ آية فريدة تأخذنا من عالم التشريع المادي إلى عالم الإشراق الروحي. إنها * آية النور *. في هذه الآية، يقرب الله لنا مفهوم "نوره" الذي لا تدركه الأبصار، بمثل حسي دقيق وبديع، يجمع بين صفاء الزجاج، وضياء الكوكب، وبركة الزيتون. إنها رحلة داخل قلب المؤمن، لنرى كيف يجتمع نور الفطرة مع نور الوحي ليشكلا "نوراً على نور".
﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾
تبدأ الآية بتقرير الحقيقة الكبرى: الله هو نور الوجود كله، حساً ومعنى. هو الذي أنار السماوات والأرض بالكواكب والنجوم، وهو الذي أنار قلوب أهلها بالحق والهدى والإيمان. وبنوره استنارت الظلمات، وصلح أمر الدنيا والآخرة.
ثم يضرب الله مثلاً لـ "نوره" (أي نور الإيمان في قلب المؤمن) بمصباح عجيب يتكون من ثلاثة أجزاء:
ما الذي يمد هذا المصباح بالطاقة؟ إنه زيت من شجرة مباركة ( الزيتونة ). ووصفها بأنها ﴿ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ يعني أنها في موقع وسط تتعرض للشمس طوال النهار، مما يجعل زيتها في غاية الصفاء والنقاء، حتى أنه ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ من شدة صفائه.
هذا الزيت الصافي يمثل " الفطرة السليمة" في قلب المؤمن. فهي نقية وصافية ومستعدة لقبول الحق، حتى تكاد تهتدي بنفسها قبل أن يأتيها الوحي.
عندما يلتقي هذا الزيت الصافي (الفطرة) بالنار (الوحي)، يحدث التوهج الأعظم. ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾. نور الوحي والقرآن ينضم إلى نور الفطرة السليمة، فيتطابقان ويزيد كل منهما الآخر إشراقاً. فلا يتعارض العقل الصريح (الفطرة) مع النقل الصحيح ( الوحي)، بل يمتزجان لتكوين بصيرة المؤمن التي يرى بها الحقائق.
تختتم الآية ببيان أن هذا النور ليس متاحاً لكل أحد، بل هو اصطفاء واجتباء. ﴿ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾ ممن علم الله في قلبه خيراً وصدقاً في طلب الحق. ثم يضرب الله الأمثال للناس ليعقلوا هذه الحقائق الغيبية.
'المشكاة' هي الكوة (الفتحة) غير النافذة في الجدار، وهي تمثل صدر المؤمن. و 'المصباح' هو السراج المضيء، ويمثل نور الإيمان والقرآن. ووضع المصباح في المشكاة يجمع نوره ويقويه فلا يتبدد، وكذلك الإيمان في صدر المؤمن.
الزجاجة تحيط بالمصباح لتحميه وتزيد إشراقه. ووصفت بأنها 'كوكب دري' (أي مضيء كاللؤلؤ) لتدل على صفاء قلب المؤمن ونقائه. فهو قلب صافٍ كالزجاج، وقوي يحمي الإيمان، ومشرق يعكس النور.
هذا وصف لأجود أنواع شجر الزيتون. فهي ليست في جهة الشرق فقط فلا تصيبها الشمس إلا صباحاً، ولا في جهة الغرب فلا تصيبها إلا مساءً، بل هي في مكان وسط (أو على قمة جبل) تصيبها الشمس طوال النهار. وهذا يجعل زيتها في غاية الصفاء والنقاء والقدرة على الاشتعال، حتى أنه ﴿ ييَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾.