
على مر العصور، عندما يأتي نبي برسالة الحق من السماء، ما هي الحجة الأولى التي يواجهه بها قومه؟ في آيات دقيقة من * سورة الزخرف *، يكشف لنا القرآن عن هذه الحجة الواهية التي تتكرر عبر التاريخ، وهي ليست حجة عقل أو برهان، بل هي درع الاحتماء بالماضي: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾. هذه الآيات هي تشريح عميق لعقلية رافضي التغيير، وكشف لمنطقهم الهش، ودعوة إلهية لتحرير العقل البشري من أغلال التقليد الأعمى.
﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ﴾
عندما طالب المشركون النبي ﷺ بالدليل على صدقه، وبدلاً من النظر في أدلة القرآن، لجؤوا إلى أسهل مهرب: التقليد. حجتهم كانت بسيطة: "لقد وجدنا آباءنا على دين وطريقة (أُمَّة)، ونحن ببساطة نتبع خطواتهم وآثارهم". هذا المنطق يلغي العقل والبحث عن الحقيقة، ويجعل من القِدَم والألفة معياراً للصواب، وهو معيار خاطئ، فليس كل قديم صحيحاً.
توضح الآيات أن هذه الحجة ليست خاصة بقريش، بل هي نمط متكرر في تاريخ الأمم. ﴿ وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا ...﴾. والمترفون هم الطبقة الغنية المنعمة التي أفسدتها النعمة. وهم دائماً أول من يقف في وجه الرسل والأنبياء .
لأن رسالات السماء تأتي بالعدل، والمساواة، وتحريم الظلم، ومحاسبة الأغنياء على أموالهم. وهذا كله يهدد مصالح المترفين وامتيازاتهم التي بنوها على أنظمة فاسدة. لذلك، فالدفاع عن "دين الآباء" هو في حقيقته دفاع عن مصالحهم ونمط حياتهم المترف.
يأتي رد الأنبياء بسيطاً، ومنطقياً، ومحرجاً لهم:
﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ﴾
أي: هل ستظلون متمسكين بطريق آبائكم حتى لو كان الطريق الذي جئتكم به "أهدى" وأفضل وأكثر رشداً؟ هذا السؤال ينقل النقاش من مستوى "القدم" و "الحداثة" إلى مستوى "الهدى" و "الضلال". إنه يضعهم أمام عقولهم وضمائرهم، ويجبرهم على المقارنة والاختيار بناءً على الدليل، لا على العادة.
عندما يفشل منطقهم أمام قوة الحجة، ماذا يكون ردهم؟ ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ﴾. إنهم لا يحاولون حتى الرد على السؤال المنطقي. بل يقفزون مباشرة إلى إعلان الكفر الصريح. وهذا يكشف أن تمسكهم بدين آبائهم لم يكن عن قناعة، بل كان مجرد غطاء للكبر والعناد ورفض الحق. وعندما سقط الغطاء، ظهر وجه الكفر الحقيقي. فكانت النتيجة الحتمية ﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾.
هي حجة التقليد الأعمى. فبدلاً من أن يستخدم المكذبون عقولهم لتقييم الرسالة الجديدة، كانوا يلجؤون إلى عذر سهل وهو: 'نحن نتبع الدين والطريقة التي وجدنا عليها آباءنا وأجدادنا، ونحن على آثارهم سائرون'. وهي حجة تتنصل من المسؤولية الفردية وتجعل من العادة والتقليد مصدراً للحق بدلاً من الوحي والدليل.
لأن 'المترفين' هم أصحاب المصالح والامتيازات في أي مجتمع فاسد. الرسالات السماوية تأتي دائماً بالعدل والتوحيد والمساواة، وهي قيم تهدد مصالحهم ونمط حياتهم القائم على الاستعلاء والظلم. لذلك، يكونون أول من يقاوم التغيير، وأسهل حجة لهم هي التمسك بالتقاليد القديمة التي تضمن لهم بقاء مكانتهم.
الرد هو تحدٍ منطقي وعقلي: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ﴾. أي: هل ستظلون على دين آبائكم حتى لو كان ما جئتكم به أهدى وأفضل وأكثر صواباً؟ هذا السؤال يضعهم أمام خيار واضح: إما اتباع الحق المبني على الدليل، أو اتباع التقليد الأعمى المبني على الهوى والعصبية.