
في موقف إنساني مؤثر، يضع لنا القرآن الكريم ميزاناً جديداً لتقييم البشر، ميزاناً لا يعترف بالجاه أو السلطة، بل يقيس القيمة بصدق القلب والإقبال على الله. تبدأ سورة عبس بمشهد فريد، عتاب لطيف من الله لأكرم خلقه، نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. هذا العتاب لم يكن لتقليل من شأن النبي، بل ليرفع من شأن أمته، وليعلمنا درساً أبدياً في الدعوة والأخلاق، ثم تأخذنا السورة في رحلة لتذكير الإنسان بأصله، ونعم ربه، ومصيره يوم "الصاخة".
﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ ... ﴾
كان النبي ﷺ مشغولاً بدعوة بعض كبار زعماء قريش، حريصاً على هدايتهم، فجاءه الصحابي الجليل عبد الله بن أم مكتوم، وكان أعمى، يطلب منه أن يعلمه مما علمه الله. ومع حرص النبي ﷺ على دعوة الكبراء، انشغل عن ابن أم مكتوم وعبس في وجهه وأعرض عنه. هنا، نزل الوحي مباشرة ليصحح الموقف وليضع قاعدة خالدة في الدعوة:
﴿
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ
*
فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ
﴾
: أما ذلك الغني الذي يرى نفسه مستغنياً عن هدايتك، فأنت تهتم به وتُقبل عليه.
﴿
وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ
*
وَهُوَ يَخْشَىٰ
*
فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ
﴾
: وأما هذا الأعمى الذي جاءك مسرعاً بقلب خاشع يطلب الهدى، فأنت عنه تتشاغل.
الدرس واضح: الأولوية لمن يطلب الحق بصدق، لا لمن يملك القوة والجاه.
بعد هذا الدرس في قيمة الإنسان، تنتقل السورة لتخاطب الإنسان بشكل عام، ذلك الإنسان الجاحد لنعم ربه: ﴿ قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴾. وهو دعاء عليه بالهلاك لشدة كفره. ثم تذكره بأصله المتواضع لكسر كبريائه: ﴿ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴾. ثم تذكره بتيسير الله لحياته: ﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴾. ثم بنهايته الحتمية: ﴿ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴾ . ثم ببعثه للحساب: ﴿ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ ﴾.
﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ ﴾
كأقوى دليل على قدرة الله على البعث، تأمرنا السورة بالنظر إلى أقرب شيء إلينا: طعامنا. ثم تأخذنا في رحلة زراعية مذهلة:
كل هذه الدورة المعقدة وُجدت لهدف: ﴿ مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾. فالذي قدر على إخراج النبات من الأرض الميتة، قادر على إخراجكم من قبوركم.
تصل السورة إلى ذروتها في وصف القيامة، وتطلق عليها اسم "الصاخّة"، وهي الصيحة التي تصم الآذان لهولها. في ذلك اليوم، يحدث أمر مذهل: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * َ صَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴾. يهرب الإنسان من أقرب الناس إليه، لماذا؟ ﴿ لكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ . فكل شخص مشغول بنفسه ومصيره، لا وقت لديه لغيره.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾. وجوه مضيئة ومشرقة، تضحك فرحاً وسروراً بما رأت من كرامة الله، ومستبشرة بالنعيم المقيم.
﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرۡهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾. وجوه يعلوها الغبار والسواد، تغشاها ظلمة و ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ﴾.
نزلت السورة عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم منشغلاً بدعوة كبار زعماء قريش إلى الإسلام، طمعاً في إسلامهم الذي سيتبعه إسلام قومهم. في هذه الأثناء، جاءه الصحابي الأعمى عبد الله بن أم مكتوم يسأله عن أمور دينه بإلحاح. فانشغل النبي عنه وعبس في وجهه. فنزلت الآيات الأولى تعاتب النبي عتاباً لطيفاً وتضع قاعدة عظيمة في الدعوة، وهي إعطاء الأولوية للمقبل على الهدى بصدق، بغض النظر عن مكانته الاجتماعية.
الدرس الأهم هو أن قيمة الناس عند الله ليست بثرائهم أو مكانتهم، بل بصدق قلوبهم ولهفتهم على معرفة الحق. فعلى الداعية أن يهتم بمن يقبل عليه طالباً للهداية، وألا ينشغل عنه بمن يعرض ويتكبر، فالذي يزكي القلوب هو الله وحده.
'الصاخة' هي اسم من أسماء يوم القيامة، وهي صيحة عظيمة تصخ الآذان (أي تصمها) من شدة هولها. وسميت بذلك لأنها تكون بداية الأهوال التي تجعل الإنسان يفر من أقرب الناس إليه: أخيه وأمه وأبيه وزوجته وأبنائه.