
تبدأ سورة الإنسان بسؤال وجودي عميق يرجعنا إلى بدايتنا السحيقة: ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ﴾. بعد هذا التذكير بالأصل المتواضع، تبين السورة أن الله وهب هذا الإنسان السمع والبصر والعقل وهداه السبيل، فانقسم الناس إلى شاكر وكفور. ثم تأخذنا السورة في رحلة مفصلة ومذهلة لوصف نموذج "الإنسان الشاكر"، وهم *"الأبرار"*، فتصف لنا عملاً واحداً قاموا به، وتكشف لنا سر الإخلاص في قلوبهم، ثم تفصل لنا الجزاء والنعيم الذي أعده الله لهم.
﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * . .. * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾
تذكرنا بداية السورة بأن الإنسان مر عليه زمن طويل لم يكن فيه شيئاً يذكر، ثم خلقه الله من نطفة ليختبره، وأعطاه أدوات الاختبار (السمع والبصر)، ثم أوضح له الطريق: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾. فالحياة كلها قائمة على هذا الاختيار.
تركز السورة على نموذج "الشاكرين" وهم الأبرار، وتذكر من صفاتهم أنهم ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴾. ثم تذكر عملاً محدداً هو مثال على برهم:
﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾
قمة الإيثار تتجلى في قوله "على حبه"، أي أنهم يطعمون هذا الطعام وهم يحبونه ويشتهونه ويحتاجون إليه، لا أنهم يتصدقون بما لا قيمة له عندهم. والمستفيدون هم أضعف فئات المجتمع: المسكين، واليتيم، والأسير.
ما الذي يجعل هذا العمل البسيط عظيماً إلى هذا الحد؟ تكشف لنا الآيات التالية عن الحوار الداخلي في قلوب هؤلاء الأبرار، وهو سر قبول أعمالهم:
هذا هو الإخلاص في أنقى صوره. دافعهم الوحيد هو ابتغاء وجه الله ورضاه. إنهم لا ينتظرون أي مقابل من الفقير، لا مكافأة مادية (جزاء)، ولا حتى كلمة شكر وثناء (شكوراً). إن تعاملهم ليس مع الفقير، بل مع الله مباشرة. ثم يكشفون عن دافعهم الأعمق: ﴿ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴾.
لأن إخلاصهم كان عظيماً، جاء الجزاء عظيماً ومفصلاً. ﴿ فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴾. لقد أمنهم الله من اليوم الذي خافوه، وأعطاهم الجمال في وجوههم والسرور في قلوبهم. ثم تسترسل السورة في وصف تفاصيل النعيم الحسي:
'الأبرار' هم أهل الطاعة والصدق والإحسان. وقد وصفتهم السورة بأنهم الذين يوفون بنذورهم، ويخافون يوم القيامة، والأهم من ذلك، يطعمون الطعام للمسكين واليتيم والأسير مع حاجتهم وحبهم لهذا الطعام، لا يرجون من وراء ذلك إلا وجه الله.
هذا هو جوهر الإخلاص المطلق. هذه ليست كلمات قالوها بألسنتهم، بل هي حديث قلوبهم الذي علمه الله. معناها أن دافعهم الوحيد للعطاء هو طلب رضا الله ووجهه الكريم، فهم لا ينتظرون من الفقير أي مقابل، لا مكافأة مادية (جزاء) ولا حتى كلمة شكر (شكوراً). إن علاقتهم في العطاء هي مع الله مباشرة، لا مع الخلق.
تقدم السورة وصفاً حسياً مفصلاً ورائعاً لنعيمهم، منه: شربهم من كأس ممزوجة بالكافور والزنجبيل، وخدمة ولدان مخلدين كأنهم لؤلؤ منثور، ولباسهم من الحرير الأخضر، وحليهم من أساور الفضة، وجلوسهم على الأرائك في ظل ظليل لا يرون فيه حراً ولا برداً.