
تبدأ سورة الليل بقسم إلهي بظواهر كونية متقابلة، الليل والنهار، والذكر والأنثى، لتمهد لحقيقة أساسية في حياة البشر: إن أعمالكم ومقاصدكم أيها الناس مختلفة ومتفاوتة. هذه السورة المكية تقدم بأسلوب بليغ ومختصر نموذجين متضادين للسلوك الإنساني، وتوضح كيف أن كل سلوك يقود إلى نتيجة حتمية، فييسر الله لكل عامل الطريق الذي اختاره لنفسه، إما إلى نعيم وسعادة، أو إلى شقاء وهلاك.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾
يقسم الله تعالى بالليل المظلم الذي يغطي الكون، وبالنهار المشرق الذي يكشفه، وبخلقه للزوجين الذكر والأنثى. هذه الأقسام تلفت الانتباه إلى ظاهرة التضاد والتنوع في الخلق، لتكون مقدمة منطقية لجواب القسم: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾. أي أن أعمالكم ومساعيكم في هذه الحياة متنوعة ومختلفة تماماً كاختلاف هذه الظواهر، فمنكم من يسعى لرضا ربه والجنة، ومنكم من يسعى لدنياه وهواه.
تبدأ السورة بتفصيل طريق أهل السعادة، وتحدد مواصفاتهم في ثلاث نقاط جامعة:
الجزاء: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾. أي أن الله سيجعل طريق الخير سهلاً وميسراً عليه، فتصبح الطاعات محبوبة إلى نفسه، ويوفقه لكل خير.
في المقابل تماماً، تعرض السورة طريق أهل الشقاء، وتحدد مواصفاتهم في ثلاث نقاط أيضاً:
الجزاء: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾. أي أن الله سيجعل طريق الشر سهلاً وميسراً له، فتصبح المعاصي سهلة عليه، ويخذله الله ويصرف قلبه عن الخير.
تطرح السورة سؤالاً جوهرياً لمن جعل المال غايته: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾. أي فائدة سيجنيها من ماله الذي بخل به عندما يسقط في النار أو يموت؟ إن المال الذي استغنى به عن طاعة الله لن يستطيع أن يفديه من عذابه قيد أنملة.
تختم السورة بتقرير حقائق إلهية مطلقة: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. فالله سبحانه قد تكفل ببيان طريق الحق من طريق الضلال، وأرسل الرسل وأنزل الكتب، فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فعليها. ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ﴾. فالدنيا والآخرة ملك لله وحده، وهو المتصرف فيهما، فمن أرادهما فليطلبهما من مالكهما الحقيقي. ثم يأتي الإنذار الأخير: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ﴾.
أقسم الله بهذه المتقابلات (الليل والنهار، الذكر والأنثى) ليؤكد على حقيقة الاختلاف والتنوع في الخلق. وكما أن هذه الأشياء مختلفة، فإن سعي الناس وأعمالهم مختلفة أيضاً، فمنهم من يسعى للخير ومنهم من يسعى للشر.
هو من اتصف بثلاث صفات: 1- أعطى: بذل من ماله في وجوه الخير. 2- واتقى: خاف الله فاجتنب معاصيه. 3- وصدّق بالحسنى: آمن بالجزاء الأفضل من الله وهو الجنة.
معناه أن الله يسهل له طريق الشر جزاءً على اختياره. فمن بخل بماله، واستغنى عن ربه، وكذّب بالجزاء الحسن، فإن الله يخذله ويجعل طريق الضلال سهلاً عليه، وتصبح الطاعة ثقيلة على نفسه، مما يؤدي به إلى الهلاك.
تقدم سورة الليل رؤية واضحة لمسارات الحياة. فالله لا يجبر أحداً على سلوك طريق معين، ولكنه يبين العواقب. من يختار طريق العطاء والإيمان، يجد العون والتيسير من الله. ومن يختار طريق الأنانية والكفر، يجد أن أبواب الشر مفتوحة وميسرة أمامه. إنها دعوة صريحة لكل إنسان ليختار سعيه، ويدرك أن اختياره سيحدد مصيره النهائي.