
يطل علينا في كل عام **يوم عرفة** (التاسع من شهر ذي الحجة) كأعظم محطة إيمانية يتجلى فيها الخالق جل وعلا برحمته ومغفرته على عباده. إنه تاج الأيام العشر الفاضلة، وركن الحج الأكبر الذي قال فيه النبي ﷺ : «الحج عرفة». في هذا اليوم، تفيض الوجوه بالدموع، وترتفع الأكف بالدعاء، وتتنزل السكينات لتغسل قلوب المشتاقين والمذنبين، ليعود العباد بنقاء الفطرة، فرحين بفضل الله ورحمته.
«مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمِ الْمَلَائِكَةَ»
من أعظم أسرار فضل يوم عرفة أنه اليوم الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾. وقد جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: "يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً"، فأخبره عمر أنها نزلت في يوم عرفة وفي يوم جمعة، وهما عيدان للمسلمين.
في يوم عرفة يتجلى الله سبحانه وتعالى برحمته الواسعة، فيدنو من عباده دنواً يليق بجلاله، ويباهي بأهل الموقف ملائكة السماء، فيقول: «انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً». وهو أكثر يوم في العام يعتق الله فيه الرقاب من النار، ويكتب فيه صكوك الغفران، مما يجعل الشيطان في هذا اليوم داحراً صاغراً لما يرى من تنزل الرحمات وتجاوز الله عن الكبائر والخطايا.
لكي لا يُحرَم المسلم المقيم في بيته من بركات هذا اليوم العظيم، شرع الله صيام يوم عرفة لغير الحاج، وجعل له ثواباً مضاعفاً يفوق الوصف.
سئل رسول الله ﷺ عن صيام يوم عرفة فقال: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَالبَاقِيَةَ». إنه استثمار رباني حكيم؛ صيام ساعات معدودة يمحو ذنوب أربعة وعشرين شهراً (سنة مضت وسنة قادمة)، والمقصود بها صغائر الذنوب، أما الكبائر فتحتاج إلى توبة ورد المظالم.
الدعاء هو حبل الوصل وأعظم العبادات في هذا اليوم المبارك، حيث يستجيب الله الدعوات ويقيل العثرات.
«خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»
على المسلم أن يفرغ نفسه في هذا اليوم، خاصة في وقت العشية (من بعد الظهر وحتى غروب الشمس)، فيلح على الله بالدعاء لنفسه، ولوالديه، ولأهله، ولأمة الإسلام، مخلصاً خاشعاً منيباً.
لتحقيق أقصى استفادة من نفحات هذا اليوم المشهود، يُنصح بالالتزام بالبرنامج العبادي التالي:
صيام يوم عرفة لغير الحاج له فضل عظيم جداً، حيث صح النبي ﷺ أنه يكفر ذنوب سنتين: السنة الماضية والسنة الباقية (المستقبلية)، والمقصود بالذنوب هنا الصغائر.
أفضل الدعاء هو ما قاله النبي ﷺ والأنبياء من قبله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"، وينبغي للمسلم الإكثار منه ومن دعاء حاجاته الدنيا والآخرة.
نعم، إن فضل رحمة الله ومغفرته في يوم عرفة عام يشمل أهل الموقف بعرفات، ويشمل عامة المسلمين في شتى بقاع الأرض، لاسيما الصائمين المخلصين في دعائهم وتضرعهم.
ختاماً، إن **يوم عرفة** هو منحة ربانية كبرى، وفرصة ذهبية لتجديد العهد مع الله وتصفير سجل السيئات. السعيد من تعرض لنفحات الله في هذا اليوم، واستقبل تجليات الغفران بقلب سليم، ونفس خاشعة، وعزم صادق على الاستقامة. فلنحرص على ألا تمر ساعات هذا اليوم المبارك في غفلة، ولنجعل منه نقطة انطلاق جديدة نحو رحاب رضا الرحمن وجنات النعيم.