
سأل النبي صلى الله عليه وسلم أُبيّ بن كعب: "أي آية في كتاب الله أعظم؟" فقال أُبيّ: " اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ". فضرب النبي على صدره وقال: "ليهنك العلم أبا المنذر". إنها * آية الكرسي *، الآية رقم 255 من سورة البقرة، ليست مجرد آية، بل هي دستور العقيدة، وخلاصة التوحيد، وأعظم تعريف بجلال الله وقدرته وعلمه. في عشر جمل قصيرة، ترسم هذه الآية صورة متكاملة لعظمة الخالق، وتملأ قلب قارئها يقيناً وهيبة، وتكون له حصناً وحرزاً من كل شر.
تستمد آية الكرسي عظمتها من كونها الآية الوحيدة التي جمعت هذا القدر من أسماء الله الحسنى وصفاته العلا. فهي تتحدث عن ذات الله، وحياته، وقيوميته، وملكه، وعلمه، ومشيئته، وقدرته، وعظمته. كل جملة فيها هي رد على عقيدة فاسدة، وتأسيس لركن من أركان الإيمان الخالص. لذلك، ارتبط بها فضل عظيم، فهي مفتاح للجنة لمن قرأها دبر كل صلاة، وهي حرز من الشيطان لمن قرأها قبل نومه.
يمكن تقسيم الآية إلى عشر جمل متكاملة، كل واحدة تبني على ما قبلها:
من أعظم ما يثبت فضل هذه الآية، قصة الصحابي أبي هريرة رضي الله عنه عندما وكله النبي ﷺبحفظ مال الصدقة. جاءه سارق في الليل، فأمسك به أبو هريرة، فاشتكى السارق الحاجة والعيال. وفي الليلة الثالثة، قال له السارق: "دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها.. إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح". فلما أخبر النبي ﷺ، قال له: "أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال؟ ذاك شيطان".
سماها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لأنها جمعت في آية واحدة أصول التوحيد وأسماء الله وصفاته العظيمة بشكل لم يجتمع في غيرها. فهي تبدأ بإثبات الألوهية ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾، وتمر بصفات الحياة والقيومية المطلقة ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وتنفي كل نقص ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، وتثبت الملك والعلم والقدرة والمشيئة والعظمة ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ...﴾. إنها تعريف كامل بجلال الله.
ورد في الحديث الصحيح أن 'من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت'. أما قراءتها قبل النوم ، فهي حصن منيع من الشيطان، فمن قرأها 'لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح'، كما ورد في قصة أبي هريرة مع الشيطان.
الكرسي ليس هو العرش، بل هو مخلوق عظيم جداً. جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن 'الكرسي هو موضع القدمين' (للرحمن جل جلاله). ولكي نتخيل عظمته، قال النبي ﷺ: 'ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة'. هذه العظمة للكرسي تدل على عظمة الخالق الذي لا يحيط به شيء.