
تبدأ * سورة التحريم * بحادثة شخصية وقعت في بيت النبوة (وهي تحريم النبي ﷺ شيئاً أحله الله له من أجل إرضاء بعض أزواجه). هذا العتاب الإلهي الرقيق للنبي ﷺ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ﴾، كان تمهيداً لخطاب أوسع يوجه الأمة بأسرها نحو إصلاح النفس والبيت. إنها سورة الأسرة والتوبة والميزان، التي تختتم بضرب أمثال خالدة لأعظم نساء العالمين.
بدأت السورة بتوجيه خاص للنبي ﷺ ليعلمنا أن القاعدة الشرعية مقدَّمة على المشاعر الشخصية أو العلاقات العائلية. ثم حذرت السورة من إفشاء الأسرار التي يجب أن تُحفظ في بيت الزوجية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسألة خاصة بالرسول ﷺ. إن هذا يرسخ أهمية الحفاظ على خصوصية البيوت والأسرار في المجتمع المسلم.
تنتقل السورة من العتاب الخاص إلى نداء عام لكل المؤمنين. التوبة النصوح هي التوبة الصادقة الخالصة التي يندم فيها العبد على ما فات، ويعزم على عدم العودة للذنب، ويصلح ما أفسد. هذا النداء هو أساس تطهير النفس والمجتمع من أي خلل أو نفاق.
تضع السورة قاعدة عظيمة في المسؤولية الأسرية:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
"قوا أنفسكم" تكون بطاعة الله واجتناب معصيته. و "قوا أهليكم" تكون بالتربية والتوجيه والتعليم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوفير البيئة الصالحة التي تعينهم على الطاعة. إنها دعوة لرب الأسرة لأن يكون مصلحاً وقائداً روحياً في بيته.
تختتم السورة بضرب أربعة أمثال لنساء، لتؤكد أن النجاة والهلاك لا علاقة لهما برابطة الدم، بل برابطة العقيدة والإيمان:
الخلاصة: لا يمكن لقرابة نبي أن تمنع عذاب الله عن كافر (نوح ولوط)، ولا يمكن لبيت كافر أن يمنع رحمة الله عن مؤمن (آسية ومريم).
'التوبة النصوح' هي التوبة الصادقة الخالصة من القلب، التي يندم فيها العبد على ما فات، ويقلع عن الذنب في الحاضر، ويعزم على ألا يعود إليه في المستقبل. وتأمر السورة المؤمنين بهذه التوبة لتكون سبباً في تكفير سيئاتهم وإدخالهم جنات تجري من تحتها الأنهار.
ضربت السورة أربعة نماذج خالدة: 1. زوجة نوح وزوجة لوط: نموذج للخيانة الزوجية والعقائدية، حيث لم تنفعهما قرابتهما من الأنبياء. 2. امرأة فرعون (آسية): نموذج الثبات والإيمان رغم الإقامة في بيت الكفر والظلم. 3. مريم ابنة عمران: نموذج العفة والصدق التي حفظت فرجها فكرمها الله.
هذه وصية جامعة لمسؤولية رب الأسرة. 'قوا أنفسكم' تكون بفعل الطاعات واجتناب المنكرات. و'أهليكم' تكون بتعليمهم وتوجيههم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وحمايتهم من أسباب النار. إنها دعوة لرب الأسرة ليكون قائداً روحياً في بيته.