
حين اتهم المشركون النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون، لم يأت الرد من البشر، بل نزل من فوق سبع سماوات، وبدأ بقسم لم يسبق له مثيل: ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾. إنها سورة القلم ، السورة التي تضع العلم والكتابة في أعلى منزلة، وتستخدم هذا القسم العظيم لتقدم أعظم شهادة في حق النبي الكريم: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾. إنها سورة الدفاع عن الرسول، وفضح أخلاق المكذبين، وتقديم العبرة من التاريخ، والتحذير من أهوال المستقبل.
﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
تبدأ السورة بقسم بالقلم وبما يكتبه الكاتبون. هذا القسم في بداية الدعوة الإسلامية هو إعلان صريح بأن هذا الدين هو دين المعرفة والحجة والبرهان. فالله يقسم بأداة حفظ العلوم ونقل الحضارات، ليرد على من اتهموا نبيه بالجنون والخرافة.
يأتي جواب القسم بأربع تأكيدات وبشارات للنبي ﷺ:
في المقابل، تقدم السورة تشريحاً دقيقاً لشخصية المكذب (الذي قيل إنه الوليد بن المغيرة)، وتنهى النبي عن طاعته، وتعدد تسعاً من صفاته المنحطة:
فهو: ﴿ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ﴾. كثير الحلف، حقير، يغتاب الناس، يمشي بالنميمة، يمنع الخير، معتدٍ، كثير الآثام، غليظ جاف، ومع كل ذلك فهو دعيٌّ ليس له أصل كريم.
لتجسيد عاقبة الكبر والبطر بالنعمة (وهي نفس أمراض هؤلاء المكذبين)، تضرب السورة مثلاً بقصة " أصحاب الجنة ". وهم قوم ورثوا جنة عظيمة فقرروا أن يمنعوا حق الفقراء منها، فأهلكها الله ليلاً وهم نائمون، ليجدوها في الصباح محترقة. إنها رسالة واضحة لكفار قريش بأن الله الذي أهلك جنة هؤلاء، قادر على أن يسلبكم نعمتي الأمن والرزق بسبب كفركم.
تنتقل السورة إلى مشهد من مشاهد القيامة المرعبة: ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾. في ذلك اليوم العصيب، يُطلب من الناس السجود لله، فيسجد المؤمنون، أما الكفار والمنافقون الذين تكبروا عن السجود في الدنيا، فإن ظهورهم تصبح طبقاً واحداً فلا يقدرون على السجود، جزاءً وفاقاً.
وفي ختامها، تعود السورة لتثبيت النبي ﷺ : ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ ﴾. أي اصبر على أذى قومك، ولا تستعجل العذاب لهم كما فعل يونس عليه السلام حين غادر قومه غاضباً قبل أن يأذن الله له.
هذا القسم هو تكريم عظيم للعلم والكتابة. فالله يقسم بأداة المعرفة (القلم) وبما يكتبه الكاتبون (من الملائكة وغيرهم من أهل العلم)، ليؤكد على أن الرسالة التي جاء بها محمد ﷺ هي رسالة علم وحجة وبرهان، وليكون هذا القسم تمهيداً للدفاع عن النبي الذي اتهمه أعداؤه بالجنون، وهو نقيض العلم والحكمة.
هذه أعظم شهادة بحق النبي صلى الله عليه وسلم. ومعناها أنه متمكن ومستعلٍ على قمة الأخلاق والآداب، وأن خلقه هو القرآن، يطبق كل ما فيه من فضائل. سألَت السيدة عائشة عن خلقه فقالت: 'كان خلقه القرآن'. فهذه الشهادة الإلهية هي دفاع عنه وتكريم له، وتوجيه للأمة بأن تتخذه قدوة في الأخلاق.
جاءت قصة أصحاب الجنة كمثال عملي على عاقبة الكبر والبطر بالنعمة، وهي نفس الصفات التي اتصف بها زعماء قريش المكذبون الذين ذكرتهم السورة. فكما أن أصحاب الجنة أهلك الله جنتهم بسبب كبرهم ونيتهم السيئة، فإن السورة تحذر كفار مكة من أن الله قادر على أن يهلكهم ويسلبهم نعمتهم بسبب تكبرهم على رسوله.