
يضرب لنا القرآن الكريم في * سورة النحل * مثلاً عميقاً وموجزاً، قصة قرية افتراضية (أو حقيقية) كانت تمتلك كل مقومات السعادة والرخاء، ثم خسرت كل شيء في لحظة. إنها ليست مجرد قصة، بل هي "سنة إلهية"، قانون رباني يوضح العلاقة المباشرة بين الشكر واستمرار النعم، وبين الكفران وزوالها. إنها حكاية تحذيرية لكل فرد ومجتمع ينعم بالأمن والرزق ثم ينسى مصدر هذه النعم.
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾
يبدأ المثل بوصف قرية مثالية، حباها الله بنعمتين هما أساس كل حياة كريمة:
كانت "آمنة" من الأعداء الخارجيين، و"مطمئنة" في داخلها، لا قلق فيها ولا اضطراب. وهو أعلى درجات الأمان.
"رغداً" أي واسعاً هيناً بلا تعب. وكان يأتيها من كل مكان، مما يدل على ازدهار تجارتها وعلاقاتها. لم تكن بحاجة لشيء.
في مقابل هذا النعيم، كان رد فعل أهل القرية هو الجحود: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾. "الكفر بالنعمة" لا يعني فقط عدم الشكر باللسان، بل يشمل:
كانت العقوبة من جنس العمل، وعكساً مباشراً للنعمة التي جحدوها:
﴿ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ...﴾
تأمل البلاغة القرآنية في كلمة "أذاقها" و "لباس". لقد جعلهم الله يتذوقون مرارة العقوبة كما تذوقوا حلاوة النعمة. وجعل الجوع والخوف كلباس يحيط بهم ويلازمهم من كل جانب، فلا يجدون منه مهرباً. فبعد أن كان الرزق يأتيهم من كل مكان، حل بهم الجوع. وبعد أن كانوا في أمن وأمان، حل بهم الخوف. كل ذلك بسبب ما كانوا يصنعون من الكفر والمعاصي.
هذا المثل القرآني ليس مجرد قصة تاريخية، بل هو قانون إلهي مستمر، ومن أهم دروسه:
هي مثل ضربه الله تعالى لقرية كانت تتمتع بنعمتين أساسيتين: الأمن التام (آمنة مطمئنة) والرزق الوفير الذي يأتيها بسهولة (رزقها رغداً من كل مكان). لكن أهل هذه القرية قابلوا هذه النعم بالجحود والكفر، فكانت النتيجة أن عاقبهم الله بنقيض ما كانوا فيه: أذاقهم لباس الجوع والخوف.
وصف العقوبة باللباس بليغ جداً، فاللباس يحيط بالإنسان ويلازمه. فكذلك الجوع والخوف أحاطا بهم من كل جانب وأصبحا حالة ملازمة لهم لا يستطيعون الفرار منها. كما أن كلمة 'أذاقها' تجعل العقوبة حسية، وكأنهم يتذوقون مرارة الجوع والخوف كما كانوا يتذوقون حلاوة الرزق والأمن.
نعم، ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذا المثل ينطبق تماماً على أهل مكة قبل الإسلام. فقد كانت مكة بلداً آمناً بفضل حرمة الكعبة، وكانت تأتيها الأرزاق مع القوافل من كل مكان رغم أنها أرض قاحلة. فلما جاءهم أعظم نعمة وهو الرسول محمد ﷺ منهم، كذبوه وكفروا بالنعمة، فعاقبهم الله بالجوع (خلال فترة القحط) والخوف (من سرايا المسلمين).